recent
أخبار ساخنة

البيداغوجيا المتمركزة حول المتعلم

 

البيداغوجيا المتمركزة حول المتعلم 



تتجه أغلب التعاريف منذ الفلسفة اليونانية إلى حصر دلالة مفهوم البيداغوجيا في فن الرعاية، أو فن المصاحبة، أو في تنشئة الطفل وتهذيب طبعه وتأديب سلوكه وتصرفه بما يليق والقيم الاجتماعية والثقافية المحيطة به. 

ولقد عرف مفهوم البيداغوجيا عدة دلالات متفاوته عبر تاريخ تطوره من خلال الحضارات والثقافات الاغريقية والإسلامية والأوروبية، وكذلك من خلال الثورات العلمية التي عرفها تاريخ المعرفة الإنسانية، وعلى رأسها انفصال العلوم الإنسانية عن الفلسفة وتأسيس علم السوسيولوجيا والسيكولوجيا، وعلوم التربية خلال القرن 20 ، هذه الثورات التي عملت على إرساء الظاهرة التربوية كموضوع علمي، واصطنعت له المناهج التي تحاول فهم المتغيرات السببية الكامنة وراء أنشطة التعلم والاكتساب والاختلالات التي قد تؤثر عليها، وادوار المدرس وأفعاله وتدخلاته التربوية…الخ. 

وعلى هذا الأساس حاولت علوم التربية بالاستناد إلى الدراسات التجريبية لعلوم النفس والسيكوسوسيولوجيا وعلم الاجتماع والعلوم الأخرى أن تحول الظاهرة التربوية إلى موضوع متحكم فيه قابل لملاحظة والضبط والقياس، وفهم وتحليل المتغيرات، ومن تم فلا مجال للارتجال والعشوائية في الممارسات التربوية التي يقوم بها المدرسون. 

فكل قرار تربوي أو تدخل أو تفاعل مع التلاميذ أو تواصل مع جماعة القسم هو إجراء يؤثر بالضرورة في دينامية السيرورة التربوية، وبالتالي أصبح أمامه منحيين إما أن يكون علميا مهدفا وموجها لخدمة المتعلم أو أن يكون اعتباطيا وبالتالي ستكون النتائج سلبية. 

وقد ميز علماء النفس والتربية بين العلوم المغذية والموجهة للفعل التربوي (كعلم النفس التربوي، والسيكوسوسيولوجيا، وعلوم التواصل، والسوسيولوجيا وعلوم الديداكتيك، والاستمولوجيا، وعلوم التقويم، والإحصاء التربوي...الخ) وبين الفعل والممارسة البيداغوجية كإجراءات وأنشطة يقوم بها المدرس لقيادة ورعاية وتدبير سيرورات التعلم والاكتساب عند المتعلم. 

1- البيداغوحيا والديداكتيك أية علاقة: 


يجمع أغلب الباحثين في حقل علوم التربية على التلازم الوظيفي بين البيداغوجيا والديداكتيك من حيث التموقع داخل بؤرة الفعل التربوي للمدرس، ومن حيث التقاطع والتداخل والتكامل الإجرائي بينهما على مستوى السيرورة التعليمية التعلمية. 

ويؤكد De Corte (الفعل الديداكتيكي 1987) على أن الديداكتيك هو إشتغال علمي على المجال الايبستيمولوجي للمادة الدراسية بغية تأمين الانتقال الممنهج والموضوعي والمتناسب سيكولوجيا ومؤسساتيا من حقل المعرفة العالمة إلى مجال المادة الدراسية. 

ويشير كل من (Birzea 1989 ) و( 1988 Gagne)  إلى أن الفعل الديداكتيكي هو قرار مؤسساتي قبل أن يكون ممارسة فردية يقوم بها المدرس، فهو في الأصل اشتغال مؤسساتي على المناهج الدراسية وموادها ومضامينها وغاياتها وأهدافها وهيكلتها حسب المستويات الدراسية وما يرتبط بها من كتب مدرسية ومنهجيات ووسائل ومستلزمات...الخ. 

ولقد أكد الباحثون على ضرورة الفصل بين الديداكتيك العام والخاص، وبين الاشتغال الديداكتيكي الذي يقوم به العالم المتخصص، وذاك الذي تقوم به لجان المناهج والبرامج في القطاعات الوزارية للتربية والتعليم والممارسات الديداكتيكية التي يقوم بها المدرسون. 

ويؤكد كل من Miallaut و De Corte على أن الممارسات الديداكتيكية للمدرس تنحصر في المهام التالية: 

1-بناء تمثلات علمية عميقة ومهيكلة حول الحقل العلمي للمادة الدراسية من حيث: 

*الظاهرة أو الظواهر التي يدرسها ذلك العلم (رياضيات، فيزياء، كيمياء، لغة، تاريخ،...). 

*الجهاز المفاهيمي المستعمل لتشريح تلك الظواهر ومفهمتها. 

*المنهج العلمي المعتمد للتفكير ولتحليل تلك الظواهر. 

2-الاشتغال على المنهاج الدراسي وبرنامج المادة المخصص للمستوى الدراسي المستهدف من أجل ضبط ما يلي: 

*نوعية الكفايات والأهداف المتحكمة في التعلمات المرتبطة بالبرنامج الدراسي الخاص بتلك المادة. 

*ضوابط البرمجة وتوزيع المضامين على الزمن المدرسي. 

*المتحكمات السيكومعرفية المقترنة بتوزيع مضامين المادة الدراسية في علاقاتها بسيرورات التعلم والاكتساب عند تلاميذ المستوى الدراسي المستهدف. 

3-الانتقال من البرنامج الدراسي إلى تخطيط التعلمات على المدى الطويل أي توزيع وهيكلة مضامين المادة الخاصة بالمستوى الدراسي على الدورات والأشهر وأسابيع السنة الدراسية بالارتكاز إلى مرجعية الكفايات وعتبات الكفايات وأهداف التعلمات 

4-الاشتغال على تخطيط مقاطع التعلمات بناء على طبيعة البرمجة المخصصة لكل أسبوع ضمن عتبات الكفايات المستهدفة. وهنا تتم عملية البرمجة المهدفة للمضامين والمعارف حسب التدرج الممنهج للموارد المراد بناؤها لدى التلاميذ من خلال الدروس. 

5-الاشتغال على مضامين الحصص الدراسية من حيث التخطيط والبرمجة بناء على الضوابط التالية: 

*الهيكلة والعرض النسقي المتدرج لمضمون الدرس وتوزيعه على زمن الحصة. 

*التحكم في منتهجية تخطيط وهيكلة أشكال الإجراءات الديداكتيكية التي ينبغي أن يقوم بها المدرس خلال تقديمه للدرس. 

*ضبط هندسة أنشطة التعلم في علاقتها بالمضمون الدراسي المقدم خلال الحصة. 

*الحرص على الانسجام بين منهجية تقديم الدرس وبين منظومة الأهداف المتوخاة. 

*اختيار البيداغوجيا الأكثر تناسبا مع طبيعة المادة الدراسية/الدرس من أجل تحقيق تدبير أكثر فعالية ونجاعة لسيرورة الدرس. 

6- التخطيط الوظيفي لاشكال استعمال الوسائل التعليمية والاسانيد وانماط اشتغالها في انسجام مع منطق منهجية التدريس، ومع أنشطة التعلم. 

7-البرمجة الممنهجة لأشكال التقويم وصيغ اشتغالها الوظيفي وتكاملها مع منهجية الدرس والبيداغوجيا المعتمدة فيه. 

انطلاقا مما سبق يمكن التأكيد على أن الاشتغال الديداكتيكي للمدرسين ينحصر في ثلاثة أنواع من الممارسات المهنية: 

أولا: الممارسات المقترنة بالتخطيط للتعلمات على المدى الطويل والمتوسط، القصير: أي بناء التوزيع السنوي وعقبات التعلم، وإعداد الدروس والحصص التعليمية في انسجام مع خصوصيات المادة والبرنامج والكتاب والمنهاج الدراسي. 

ثانيا: الممارسات المقترنة بالتحكم في منهجية التدريس وفق الخصائص الايبيستيمولوجية للمادة الدراسية المعنية من حيث الظواهر والمفاهيم المقدمة، ومن حيث منهج التفكير والتحليل في المادة، ومن حيث المفاهيم المستعملة، وهذا ما يفرض احترام علمية المادة والانضباط المنهجية تقديم الدروس وبناء التعلمات. 

ثالثا: الممارسات المتعلقة بالاشتغال البيداغوجي على تدبير سيرورات التعلم والأنساب في تكامل وانسجام مع المنهجية الديداكتيكية المطابقة للدرس. 

هل البيداغوجيا منفصلة عن الديداكتيك؟ 

لقد ظلت البيداغوجيا دائما هي فن رعاية ومصاحبة التلميذ من أجل إنجاح سيرورات التعلم والاكتساب لديه، ومن ثم فهي تستهدف الشروط التفاعلية والتواصلية ودينامية العلاقة بين المدرس والمتعلم لجعلها أكثر نجاعة وفعالية خلال تحقيق أهداف التعلم. 

البيداغوجيا تنفصل عن الديداكتيك من حيث أنها: 

*ليست منهجية لتقديم مادة دراسية أو حصة بعينها. 

*لا تهتم يتقسيط المضمون، وأشكال توزيعه على زمن الدرس. 

*لا تشتغل على طبيعة التعقيد والتدرج في مستويات العرض النسقي للمادة الدراسية. 

*لا تهتم بتاريخ العلم أو المادة الدراسية وتطوراتها الاستيمولوجية (المفاهيم، المناهج...). 

البيداغوجيا تتصل بالديداكتيك نظرا لكونها: 

*تتكامل مع منهجية تقديم الدرس وتؤطرها على مستوى تدبير أشكال التفاعل والتواصل البيداغوجي. 

*تنسجم مع طبيعة العلم والمادة الدراسية من حيث أنها تحاول أن تفعل المنهج العلمي المعتمد في العلم ليصبح إجراءات بيداغوجية لتدبير أنشطة التعلم. 

*تفعل الآليات السيكومعرفية والسيكونمائية لإنجاح الإجراءات الديداكتيكية المعتمدة في منهجية التدريس حسب خصوصيات كل مستوى دراسي وكل مادة دراسية. 

*تساعد المدرس على الربط الدينامي بين إجراءات أفعال التدريس المنصوص عليها في المنهجية الديداكتيكية وبين التدبير المرن للفوارق البين فردية وإيقاعات التعلم لدى التلاميذ. 

2- بعض أنواع البيداغوجيات المتمركزة حول المتعلم: 


إن البيداغوجيا تتأسس كممارسة تدبيرية لسيرورات الاكتساب وأنشطة التعلم، ولذلك لا يمكن اعتبارها تنظيرا، إنها فن لتدبير أشكال التفاعل والتواصل بين المدرس والتلاميذ بهدف إنجاح عمليات التعليم والتعلم. 

ومن أجل رؤية وظيفية للبيداغوجيا سنحاول تقديم بعض نماذج البيداغوجيات المتمركزة حول المتعلم باعتبارها تدابير للتفعيل الدينامي للتعليم والتعلم داخل جماعة القسم، علما بأن مجرد وقوف المدرس أمام التلاميذ وتقديمه لنشاط دراسي يفترض مبدئيا أن هناك بيداغوجيا ما حاضرة بشكل أو بآخر. 

إن النماذج البيداغوجية يمكن اعتبارها الأكثر فعالية ونجاعة على أساس أن هناك نماذج بيداغوجية أخرى لها فعاليتها، من حيث إجراءاتها وبعدها العملي: كالبيداغوجيا الإلقائية والحوارية، وبيداغوجيا اللعب، وغيرها من المقاربات التي راهنت على العلاقات الصفية من أجل رفع مستويات الفهم العلمي لمتغيراتها والتحكم بآلياتها التفاعلية والتواصلية لجعل سيرورة التعلم أكثر نجاحا وجودة.
google-playkhamsatmostaqltradent