recent
أخبار ساخنة

نظريات التعلم والاكتساب وبعض تطبيقاتها الإجرائية

 

نظريات التعلم والاكتساب وبعض تطبيقاتها الإجرائية 



لقد أكدت الدراسات السيكولوجية على أن السلوك الإنساني إما يتحدد عبر النمو والارتقاء النوعي أو عبر البناء والتعديل والتغيير الذي يؤمنه التعلم، فتعلم السلوكات الاجتماعية وبعد الأدوار والتكيف مع المحيط وتدبير حل المشكلات، وبناء المعارف والمواقف والقيم، وتطور آليات الإدراك والانتباه والفهم والاستدلال والذاكرة وغيرها من العمليات العقلية ليست إلا نتاجا ونسقا تطوريا لسيرورة التعلم والاكتساب، لهذا لم يعد السؤال الأساسي في هذا المجال هو ماذا نتعلم وما مضمون التعلم؟ بل أصبح السؤال المركزي هو: كيف نتعلم؟ وما هي استراتيجيات التعلم التي يتم استثارتها أثناء التفاعل بين الذات وموضوع التعلم؟ وكيف نتعلم أساليب جديدة لتعلم منتج وفعال؟ 

أولا: مفهوم التعلم 

لقد تباينت التعاريف حول مفهوم التعلم بحسب المدارس السيكولوجية وحاول أغلب منظري هذه المدارس أن يحددوا تعريفا إجرائيا لسيرورة التعلم يطابق الأسس والمبادئ والقوانين السيكومعرفية التي اعتمدوها لمقاربة ظاهرة التعلم، ويكتسي مفهوم التعلم قاسما مشتركا بين النظريات المتباينة، هذا القاسم الذي يجعل من التعلم النشاط السيكومعرفي الاكتسابي الذي يكتسب بموجبه الفرد المعارف والمواقف والمهارات ويبني ويطور كفاياته وقدراته ويرى باحثون آخرون أن التعلم هو سيرورة تغير دائم في عقل وسلوك الإنسان نتيجة تطوره البيولوجي والفزيولوجي عبر الزمن، وبناء على تفاعل ذاته مع موضوعات والظواهر والواقع الطبيعية والاجتماعية التي تنتج عنها عملية التكيف والتلاؤم والإندماج، ويتأسس من خلالها تطور الاستجابات التفاعلية الإيجابية والمنتجة اتجاه الوقائع الأحداث والأشياء. 

ويتبين من خلال الدراسات السيكومعرفية للنمو والتعلم أن سيرورات التعلم ليست سلوكات واستجابات نمطية عضوية أو معرفية تحدث نتيجة لمنطق المورثات البيولوجية وارتقاء النمو الفزيولوجي بل تخضع للمتحكمات الغريزية على المستويين البنيوي والوظيفي كما أن هناك متحكمات وشروط أخرى توجه سيرورة التعلم وتؤثر فيها نذكر منها: 

1- الدافعية : 


ذلك أن التعلم يقترن بالدوافع الداخلية للذات سواء كانت محملة بطاقة غريزية بيولوجية أو محملة بشحنات وجدانية عاطفية، حيث إن نشاط التعلم يبنى على أساس خفض حالة التوتر الناتجة عن درجات الرغبة وتحقيق الإشباع، أو كان الدافع مقترنا بشرط التكيف مع الموضوع الخارجي تأمينا للحاجة المرغوب فيها أو السيطرة على الموضوع، ومن هنا جاءت القاعدة السيكولوجية: لا تعلم بدون دافع. 

2- النضج والتدريب : 

أن سيرورات التعلم وارتقاء الكفايات والقدرات مشروط بمنطق مراحل النمو والنضج، وبالتالي فإن العلماء أكدوا على معادلة التلازم بين سيرورات النمو والتعلم، وهذا يعني أن كل تعلم يفترض محددات نمائية تضبط الممكن والغير ممكن تعلمه بالنظر إلى أفق الإمكانات البيولوجية والسيكو معرفية والوجدانية والجسدية التي تسمح بها المرحلة النمائية فكل تطور نمائي يحدد إمكانات التعلم والاكتساب خلال زمنه السيكو نمائي. 

3- موضوع التعلم : 

ترتبط سيرورة التعلم والاكتساب بطبيعة موضوع التعلم والتفاعل بين الذات والموضوع على أساس أن خصائص ونوعية موضوع التعلم تحدد طبيعة هذا التفاعل ونتائج التعلم، فتعلم كتابة الحروف والكلمات يختلف عن اكتساب كفاية نشر شكل هندسي وتحديد خصائصه الرياضية من طول وعرض ومساحة وارتفاع...الخ. 

4- السياق/ الوضعية التعليمية : 


غالبا ما تتغير الوضعيات الاكتسابية حسب تموقع الفرد المتعلم داخل سياق معين قد يكون نظاميا ضمن إطار مؤسساتي تحكمه ضوابط قانونية ومرتكزات سوسيوتربوية، كالتعلم المدرسي، وقد يكون السياق مفتوحا على إمكانات محتملة أو اعتباطية أو غير مهدفه بحيث يحدث التعلم تلقائيا (جماعة اللعب/الأسرة/سياقات أخرى). 

5- الوسيط/المدرس/المربي/ الفاعل التربوي : 


لقد حاولت الثورة التكنولوجية أن تجعل من الآلة فاعلا مركزيا في عملية التعلم، إلا أن أغلب الدراسات السيكولوجية التربوية تؤكد على الدور الفعال للمدرس في عملية التعلم، ذلك أن الوساطة البشرية من خلال التفاعل والتواصل التربوي تعتبر حاسمة في تدبير سيرورات الاكتساب، ولهذا فللمدرس كوساطة وكمصاحبة بيداغوجية وكقيادة سيكو بيداغوجية للتعلمات يعتبر أساسيا ورئيسيا في إنجاح دورة التعلمات. 

ثانيا: بعض نماذج نظريات التعلم: الأسس السيكو معرفية والوظائف البيداغوجية 

1- نظرية التعلم السلوكية : الأسس السيكومعرفية 

لعل من أبرز المدارس السيكولوجية التي أقرت بشكل حاسم في تاريخ السيكولوجيا المعاصرة سنجد المدرسة السلوكية، وتتمحور المقاربة العلمية لهذا التيار حول مفهوم السلوك، الذي حاول منظروه Watsonو Pawlove و Skinna أن يجعلوا منه حقلا تجريبيا موضوعيا يمكن فهم تمظهراته وأسبابه والتحكم في متغيراته والتنبؤ باستجاباته، ولقد أخضع السلوكيون الأوائل منطق سيرورة التعلم والاكتساب إلى المعادلة التالية: 



وقد طور السلوكيون هذه المعادلة عبر الدراسات التجريبية للمثيرات الطبيعية (متغيرات الواقع والطبيعة) والمثيرات الشرطية والمتغيرات المصطنعة، حيث انتهى كل من Guthrie و Srihn و Bechktriev إلى أن كل تعلم يقوم بالضرورة على عمليات إشراط Conditionnement نابعة عن منبهات خارجية. ولقد أكد السلوكيون أن الطبيعة والمحيط الاجتماعي والأسري بالإضافة إلى التدريب والمران كل هذا يشكل الإطار والسياق الموضوعي المؤثر في سيرورات النمو والاكتساب التي يعيشها الطفل. 

ولقد حاول Skinner تأسيس مقاربة التحليل التجريبي للسلوك الذي يدرس تجريبيا سلوكات الكائن الحي من خلال الكشف عن المحددات والمثيرات الصادرة عن المحيط الطبيعي والاجتماعي باعتبارها المؤسس والسبب والموجه الأوحد للسلوك، فالكائن الحي (حيوان أو إنسان) يتفاعل مع محيطه بشكل تبادلي عبر منطق: 


ولهذا فالكائن يؤثر ويتأثر، يغير ويتغير ومن تم تتحدد مسارات التعلم والاكتساب لديه عبر تفاعله مع وقائع وظواهر وأحداث وكائنات المحيط الطبيعي والاجتماعي. 

ويمكن أن نحصر الأسس السيكومعرفية للتعلم لدى المدرسة السلوكية الإجرائية فيما يلي: 

1. السلوك التعلمي وهو السلوك الإجرائي الذي يتحدد بنتائجه أي أن احتمالات وقوعه وتكرره في المستقبل تكون قوية وثابتة كلما كان هذا السلوك معززا وحصل على الدعم والتعزيز الخارجي فالتعلم هو بناء سلوك تحكمه ترتيبات معينة ونتائجه تساعد على استمراره وترسيخه عبر التعزيز الخارجي. 

2. السلوك التعلمي يخضع لمنطق المثير والاستجابة: فالمثير هو المنبه الذي يوجد خارج ذات المتعلم ومصدره إما مادي طبيعي أو بشري اجتماعي، هذا المثير يؤثر على الذات بشكل سلبي أو إيجابي الأمر الذي تنتج عنه استجابات محددة، هذه الاستجابات السلوكية تعتبر عند سكينر مثيرا معززا بشكل سلبي وإيجابي: ومن تم يتحدد مسار انبناء الاستجابة أي التعلم والاكتساب أو مسار انطفاء الاستجابة وعدم رسوخها أي عدم التعلم. 

3. كل سلوك تعلمي هو سلسلة من الاستجابات الناتجة عن مثيرات، وكلما كان السلوك التعلمي الاستجابي مبني على أساس نتائجه سمي تعلما إجرائيا Operant Behavior سواء أثرت هذه النتائج في موضوع التعلم أو في ذات المتعلم. 

ففي كل استجابة نجد اقترانا بالمعزز الذي يميزها وليس بالمثير الذي ينبهها.(انظر الخطاطة): 


4. إن انبناء التعلمات عند التلميذ يقترن بتعزيز الأداءات السلوكية القريبة من الاستجابة النمطية (الهدف التعلمي). 

5. إن تشكيل السلوك/ الاستجابة النمطية يتم عبر تعزيز الأداءات السلوكية القريبة من الهدف تعاقبيا وبشكل تفريقي، بمعنى أن المدرس يجب أن يوظف التعزيز كلما طابق الأداء Performance السلوكي نمط الاستجابة المرغوب فيها. 

6. إن التعلم الذي يقترن بالعقاب يقلل من نسب تكرار وتثبيت الاستجابات النمطية المستهدفة، فالعقاب يطفيء انبناء الاستجابة بحيث يبني المتعلم مواقف هروبية، أو سلوكات التجنب، أو ردود فعل رافضة، غالبا ما تتحول إلى نوع من الكف أو النفور من موضوع التعلم ومن الوضعية التعلمية. 

2- نظرية التعلم السلوكية : الوظائف البيداغوجية 

لقد لاحظ السلوكيون أن المتعلم في البيداغوجيات الكلاسيكية كان يتعلم لينجو من العقاب مع غياب شبه تام للتعزيز الإيجابي للتعلمات وشروط الدعم المناسبة، وكان الدرس التقليدي حسب Skinner يتميز بغياب نظام فعال لعرض موضوع التعلم وتحديد فئة الاستجابات النمطية كأهداف للتعلم، كما كانت تغيب فيه الترتيب الممنهج للمثيرات الإجرائية ولآليات التعزيز المميز، ولهذا يقترح السلوكيون الجدد الإجراءات البيداغوجية الوظيفية التالية لتخطيط وتدبير التعلمات: 

1. إن تخطيط التعلمات لابد أن يرتبط حسب Skinner بتنظيم شروط عملية التعلم، وذلك بتحديد أهداف دقيقة للتعلمات (الاستجابات النمطية المرغوب فيها)، وضبط الاقترانات بين الاستجابات والمثيرات خلال سيرورات انبناء التعلمات. 

2. إن تخطيط التعلمات يفترض أيضا تفكيك محتوى مضمون الدرس واعتماد مبدأ العرض النسقي الارتقائي للمادة الدراسية وفق محدد التناسب والتكيف كما يقول .Skinner 

3. لابد من يراعي التدبير البيداغوجي للتعلمات الانتنقال بالمتعلم من المعطيات الأولية السهلة، إلى المعطيات الأكثر صعوبة وتعقيدا مع مراعاة الفروق الفردية، فالتفريد شرط قاعدي في تدبير التعلمات. 

4. إن بناء أو تغيير سلوك المتعلم ليس تدبيرا بيداغوجيا سهلا فالتعلمات السلوكية الأدائية: كالكتابة، والرسم، والهندسة والرياضة، والعزف الموسيقي، كلها فئات من الاستجابات السلوكية الإجرائية، ولهذا فالوضعية التعليمية التعلمية تبنى وتدبر على أساس فهم وضبط الاستجابات المتتالية التي تكون الوحدة السلوكية للاستجابة النمطية (هدف التعلم). 

5. إن تدبير سيرورة الاكتساب عند المتعلم تفرض على المدرس وعي وضبط شروط الدعم والتعزيز الكافية لخلق العلاقات التحكمية بين فئات الاستجابات النمطية بين أشكال التعزيز الفارق. 

6. إن التقويم يبنى على أساس قياس درجات تحقق وتكون وانبناء الاستجابات النمطية (أهداف التعلم) عبرمؤشرات موضوعية قابلة للملاحظة والقياس، ومن تم فالتقويم يقوم على أساس قياس مستويات التغير من سلوكات المتعلم ذات العلاقة بموضوع التعلم.



google-playkhamsatmostaqltradent